الاثنين، 19 ديسمبر، 2011

بوش – بن لادن من جديد



-          يقول ادوارد سعيد في كتابه "representations of the intellectual" (الصادر بالعربية عن دار رؤية بعنوان " المثقف والسلطة " ترجمة د. محمد عناني ) " انه من الممكن بسهولة بل ومن المستحب على اسس فكرية و سياسية ان نرفض الفاشية والامبريالية معاً " .
-          اخذ ادوارد سعيد هذا الموقف اثناء حرب الخليج الثانية عام 1991 . كانت الولايات المتحدة تدك العراق بمساعدة من دول البترو-دولار وتغطية من النظام السوري الممانع (العدو التاريخي لنظيره البعثي العراقي) . فرفض الامبريالية من قبل اي مثقف يساري كان موقفاً طبيعياً. ولكن كانت الصعوبة في رفض ممارسات صدام حسين الفاشية ومجازره سواء بحق الاكراد والشيعة في قمع انتفاضة الجنوب وارتكاب مجازر الانفال وغيرها وسواء اجتياحه للكويت. ادوارد سعيد رفضها ولكن مثقفين آخرين لم يستطيعوا ان يرفضوا ممارسات صدام لاعتبارهم التصدي للغزو الامبريالي اولوية تبيح قتل شعوب وارتكاب ابادات.
الشيوعيين اللبنانيين وقتها دعموا نظام صدام وتعرضوا لاعتقالات من قبل النظام السوري المنتصر بعد اتفاق الطائف والمسيطر في لبنان. هذا الدعم كان من منطلقات وطنية ورفض الغزو الامبريالي خاصة في ظل ظروف انهيار الاتحاد السوفياتي. ولكن صدام لم يكن يستحق هذا الدعم خاصة وان ممارساته بحق شعبه وتحديداً بحق الشيوعيين العراقيين الذين تعرضوا للنفي والاضطهاد لم تكن تشجع على هذا الدعم ولكن الشعور الوطني عادة ما يغلب في ظروف مماثلة.
ابقت الولايات المتحدة على نظام صدام اثنا عشر سنة كانت خلالها تفرض حظراً جوياً ادى الى مقتل آلاف العراقيين وتخلله اعتدءات كعام 1998 الى ان كانت حجة وجود الاسلحة الكيميائية عام 2003 لتبرير اجتياح العراق . لم يصمد النظام البعثي اكثر من شهر رغم تهديد الصحاف للعلوج واخلى المكان لاستعمار اميركي ولدويلات طائفية اثنية ومحاصصة بشعة كانت نتيجة طبيعية لعقود القمع.
قبل اجتياح العراق اجتاحت الولايات المتحدة افغانستان لمحاربة بن لادن صنيعتها و حلفائه الطالبانيين الذين تم اختراعهم وتشجعيهم من الاميركيين والباكستانيين والخليجيين لمواجهة الاتحاد السوفياتي الملحد. مرة جديدة كان الوقوف بوجه الغزو البوشي طبيعياً ولكن الوقوف مع بن لادن لم يكن طبيعياً. من المستحب رفض امبريالية بوش ولكن من المستحب ايضاً رفض فاشية ورجعية بن لادن وطالبان الدينية التي اعادت افغانستان عصوراً الى الوراء.
من المستحب رفض بوش وبن لادن ورفض محاولة التخيير بينها وهي لعبة اخترعها صامويل هانتغتون والمحافظين الجدد فبعد سقوط ثنائية الراسمالية-الشيوعية مع انهيار الاتحاد السوفياتي اخترع هانتغتون صراع الحضارات كبديل ومن بينه صراع الحضارة المسيحية-اليهودية بوجه الاسلام (وبشكل مبطن ديانات غرب آسيا الكونفوشيوسية والبوذية ...).

-          وكما يقول كارل ماركس ان التاريخ يكرر نفسه مرة بشكل مأساة ومرة بشكل مهزلة. نعود منذ بداية العام الى مواجهة نفس المأساة – المهزلة . نفس الثنائية ثنائية بوش – بن لادن منذ بداية الانتفاضات العربية المجيدة التي يمضي على مرورها عام بعد ان اشعل البوعزيزي النار في بلاد العرب الخامدة.
-          مع بداية الانتفاضة في تونس وثم في مصر وحتى اليمن كان معظم المثقفين العرب يقفون مع الشعوب بوجه انظمة بن علي ومبارك وصالح مع بعض التحذيرات من خطر الاسلاميين.
ولكن الازمة تفجرت بشكل اكثر وضوحاً مع بدء الانتفاضة الليبية ضد العقيد القذافي. مارس العقيد ابشع انواع القمع ضد معارضيه (الذي لا يبرر ما فعله الثوار به من تشنيع فيما بعد). هنا تحركت دول الغرب بعد اربعة اشهر من القتل القذافي لا محبة بالشعب الليبي بل بالنفط الليبي وتدخل الناتو وسقط نظام العقيد واتى المجلس الوطني الليبي على ظهر طائرات الناتو.
صحيح من المستحب رفض الامبريالية الاطلسية ولكن هل من الممكن تأييد ما فعله القذافي بشعبه؟ كلا هنا ايضاً من المستحب رفض الفاشية القذافية الخضراء.
-         وتعمقت ازمة الخيارات في سوريا حيث النظام مشهور بممانعته ودعمه للمقاومة في لبنان وفلسطين. ولكن هذا الدعم الذي لا بد من الاعتراف به لا يعدو كونه لعبة مصالح سياسية يتقنها النظام السوري البراغماتي.
لم ير الكثيرون في انتفاضة الشعب السوري سوى مؤامرة على نظام الممانعة والجبهة الممتدة من غزة الى طهران. لم يروا بعده الطبقي والريفي ولم يروا مطالب الحرية والديموقراطية المحقة لدى الشعب السوري. ولم يتجاوب النظام مع هذه المطالب وهو الخبير في القمع فمارس ابشع انواع الاستبداد ضد شعبه في درعا وحمص وحماه وباقي المدن.
بالمقابل ارتكب المعارضين السوريين وتحديداً معارضة الخارج اخطاء كثيرة بارتباطهم بالامبريالية وصولاً الى قبول بعضهم للتدخل الخارجي والدعم التركي للمنشقين السوريين وعسكرة الانتفاضة (تركيا هي نموذج امبريالي مصغر للولايات المتحدة في الشرق الاوسط و تتوافق مع اسرائيل والخليج في لعب هذا الدور).
اما معارضي الداخل الرافضين لفاشية نظام الاسد والرافضين لامبريالية الغرب وعملائهم من معارضة الخارج فلا حول لهم ولا قوة فالنظام يشملهم بقمعه والمجلس الوطني يشملهم باتهامهم بالعمالة.
-         هو ذات التاريخ المأساوي يعيد نفسه وذات الموقف (سموه رمادياً وما شئتم ) ينبغي ان يعيد نفسه: لا للثنائيات. لا لبوش-بن لادن و لا لبوش-صدام و لا للاسد-غليون . باختصار لا للفاشية ولا للامبريالية.

 احسان المصري 

لقراءة العدد 11 من مجلة جمول : http://www.majalla.jammoul.net/ 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق