‏إظهار الرسائل ذات التسميات World Left. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات World Left. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 10 ديسمبر 2018

أين الفرنسيين الحمر من انتفاضة السترات الصفراء ؟


أين الفرنسيين الحمر من انتفاضة السترات الصفراء ؟
تعيش فرنسا في الأسابيع الأخيرة انتفاضة ما يعرف ب"السترات الصفراء"  للاحتجاج على قرار حكومة ماكرون برفع أسعار المحروقات. لفهم كيفية تطور هذا الحراك ووصوله الى هذا الزخم الشعبي غير المسبوق في عهد ماكرون، لا بد لنا من العودة قليلاً الى الوراء.
تطور حراك السترات الصفراء
فقبل هذا الحراك وخلال سنة ونصف بعد انتخابه على اساس برنامج ليبرالي بامتياز لم يخفه حتى في حملته الانتخابية، ولكنه برز بشكل أكثر وضوحاً بجملة قرارات يعتبرها "اصلاحات" منها: الهجوم على مكتسبات المتقاعدين وما تبعها من متظاهرات لكبار السن الفرنسيين، التعديلات الغامضة في النظام الضريبي وخفض ضريبة السكن (التي يبدو انها لم تنخفض في كل المدن)، طرح خصخصة شركة القطارات الوطنية المملوكة للدولة SNCF وما اثارته من اضرابات لعمال الشركة ادت الى تعطيلات في حركة القطارات، رفع الأقساط الجامعية لطلاب الليسانس والماجستير الأجانب بعشرة أضعاف معدلها الحالي وهو ما قد يستتبعه رفع الأقساط للطلاب الفرنسيين أيضاً. كل هذا ترافق مع اكتشاف مكامن الفساد في الحكم مع قضية "بن علا" وهو احد مرافقي ماكرون وصولا الى التغييرات الحكومية واستقالة بعض الوزراء من فريق الرئيس و الملتحقين به ومن ابرزهم وزير البيئة نيكولا هولو وهو رئيس سابق لحزب الخضر التحق بماكرون كما فعل الكثير من قيادات الحزب الاشتراكي (في طور الانحلال).
اذن كان الاجراء الأخير برفع أسعار المحروقات، القشة التي قصمت ظهر البعير ودفعت الى التحاق الكثير من المواطنين الفرنسيين بهذا الحراك الشعبي. الحراك الاحتجاجي على القرار بدأ بشكل عفوي عبر دعوة على وسائل التواصل الاجتماعي الى استخدام السترات الصفراء كشعار (المفروض تواجد هذه السترات في كافة السيارات وفق قانون السير الفرنسي). الحكومة بررت القرار لاسباب بيئية التزاماً منها بمقررات قمم التغيير المناخ المعروفة باسم COP . ولكن الأغلبية الشعبية اعتبرت هذا القرار هجوم على آخر ما تبقى من قدراة شرائية للمواطن الفرنسي خاصة أن الكثير من العائلات والمواطنين يعيشون اوضاعاً مادية مزرية. وهذا ما شاهدناه في مظاهرات ضمت ما يقارب 290 ألف في  مظاهرة السبت 17 تشرين الثاني ورغم تفاوت الأعداد في كل مظاهرة (انخفض الرقم 130 الف في مظاهرة الأول من كانون الأول) الا ان ما يهم هو انتشارها في كل المدن الفرنسية حيث يقوم المتظاهرون باقفال مخارج ومداخل الطرقات السريعة الى المدن الكبيرة. في أغلب المدن اتصفت التظاهرات والاعتصامات بطابع سلمي لكن المناوشات العنيفة بين قوى الأمن وبعض المتظاهرين بشكل رئيسي في العاصمة باريس أدت الى سقوط قتلى وجرحى كما هاجم المتظاهرون الكثير من المحلات والسيارات الفخمة وبعض الاماكن الرمزية كقوس النصر وشارع الشانزيليزيه. السلطة اتهمت مجموعات اليمين المتطرف او اليسار المتطرف (مجموعات تروتسكية وانارشية) بافتعال احداث الشغب هذه. فيما أعلنت قوى اليسار مشاركتها في المظاهرات ودعا جان لوك ميلونشون رئيس حركة فرنسا المتمردة الى المشاركة السلمية. كذلك دعت النقابة العامة للشغل (CGT) للتظاهر والمطالبة برفع الحد الأدنى للأجور (SMIC) . كذا فعل الحزب الشيوعي الفرنسي الخارج من مؤتمره العام في 24-25 تشرين الثاني.

Image result for gilet jaune communiste


الحزب الشيوعي الفرنسي ومؤتمره
اذن في خضم هذه الأحداث العاصفة عقد الحزب الشيوعي الفرنسي مؤتمره ال 38 . حيث تم انتخاب فابيان روسيل (النائب عن منطقة الشمال) أميناً عاماً فيما سيتسلم بيار لوران الأمين العام السابق مسوؤلية المجلس الوطني. المؤتمر دعا الى اعتماد شيوعية تحاكي القرن الواحد والعشرين. وقد شهد الحزب الشيوعي الفرنسي تاريخياً تحولات (ترافقت مع التحولات التي حصلت في الاتحاد السوفياتي) من الستالينية الى الشيوعية الاوروبية ولكن لا يمكن أن ننسى ان الحزب الشيوعي الفرنسي كان القوة الرئيسية الأولى في البلاد بعد الحرب العالمية الثانية، هو حزب جان جوريس الذي قاد المقاومة ضد الاحتلال النازي كما كان له مساهمات في استحواذ الطبقة العاملة الفرنسية على قانون الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية عبر وزيره في حكومة ديغول الأولى بعد الحرب امبرواز كروازا الى غيرها من المكتسبات الاجتماعية في عهد  ميتران وهو حزب أنتج العديد من المثقفين والمفكرين والشعراء مثل لويس التوسير، هنري لوفيفر،هنري باربوس، لويس اراغون وبول ايلوار وغيرهم...
لكن في هذين العقدين الاخيرين ومع تقدم اليمين وتراجع المكتسبات الاجتماعية وانحرافات الاشتراكية الديموقراطية، عانى الحزب الشيوعي الفرنسي من تراجع في صفوفه وقدراته الانتخابية (من25% بعد الحرب العالمية الثانية الى 2 % في الانتخابات الأخيرة)  لذلك لم يقدم مرشحاً للانتخابات الرئاسية واكتفى بدعم ميلونشون الذي استقطب العديد من مناصري الحزب وبات القوة الأولى في اليسار اليوم مما سبب اشكالاً عميقاً حيث يرفض ميلونشون الحوار مع باقي قوى اليسار التقليدي، فيما يطالب الشيوعيون بتحالف وقوائم انتخابية موحدة. خاصة ان انتخابات البرلمان الاوروبي قادمة ويبدو ان كل قوى اليسار ستقدم لوائح منفردة مما قد يساهم باضعافها.
فهل من أمل ان يستعيد الحزب الشيوعي الفرنسي تاريخه ام انه خسره لأشكال جديدة من اليسار ممثلة بميلونشون؟ وهل يستطيع اليسار بشكل عام أن يتجاوز الخلافات ويتحد لمنع تذويب حركة "السترات الصفراء" أو تجييرها الى اليمين واليمين المتطرف أو جعلها نموذجاً آخراً من ثورات ما يعرف "الربيع العربي"؟

                                                                                                  احسان المصري

السبت، 20 أكتوبر 2018

المادية بمواجهة المثاليات : بين العلم والسياسة


مجلة النداء - العدد 19-10-2018

الماركسية (على ما في التعريف من ظلم لأنجلز ولسابقين ولاحقين ساهموا في تأسيس وتطوير النظرية)  مفهوم للعالم (فلسفة وفكر وانتماء وتطبيق)، يتبناها الكثيرون ولكن قلة منهم تفهمها وقلة أقل تسعى لتطبيقها. نفس الامر يمكن قوله حول اليسار كمصطلح يشمل تحت جناحيه مروحة واسعة من التيارات، ومنها أبعد ما يكون عن اليسار بمفهومه سواء تيارات الاشتراكية الديموقراطية او اليسار الليبرالي او التروتسكية وغيرها... وهذه التيارات نرى بعض نماذجها في العالم العربي بل على صعيد العالم. ولا تنحصر هذه التيارات التي تنحو احياناً مناحي مثالية في السياسة بل تمتد الى العلم والفن وكافة مجالات الفكر والحياة. وهو ما سنحاول اعطاء امثلة عليه.
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي الماركسي هنري لوفيفر وفي كتيب تفسيري بعنوان "الماركسية"  [1]، يقدم مقارنة بين المادية والمثالية، ففي حين ترى المثالية جمود الواقع، ترى المادية الواقع في حركة دائمة وحين تعجز المثالية عن رؤية الواقع بتناقضاته، تسبر المادية تناقضات الواقع وعناصره لتستنبط منها تحليلاتها.



المثالية في العلم
والغريب ان الاسقاطات المثالية في العلم (الذي يفترض ان يكون مادياً) كثيرة في انعكاس لطبيعة المصالح الطبقية المسيطة بالعلوم . منها ما يمتد من محاولات تأسيس معادلات ونماذج رياضية ومحاولة الصاقها بالواقع عوضاً عن دراسة الواقع تجريبياً وايجاد النماذج الرياضية التي تناسب هذا الواقع.  وهو تيار يتبناه بعض العلماء وفلاسفة العلم ككارل بوبر حيث يعتبر "ان النظرية تصاغ ثم تعتبر علمية اذا كانت قابلة للاختبار بواسطة التجربة وفي هذا محاولة لنفي الحقيقة التي تصبح نسبية". [2] وهو ما يتجلى في نظرية الأوتار مثلاً حيث تجري محاولة لدمج نظريتي النسبية العامة و نظرية ميكانيك الكم في نظرية موحدة عظيمة (Grand Unified Theory) ولكن ذلك لا يمكن تحقيقه الا اذا اعتمدنا كوناً يتعدى قدراتنا وتصوراتنا. ففي حين نسلم بكوننا الرباعي الابعاد (ثلاثة ابعاد مكانية وبعد زماني)، تتطلب نظرية الاوتار ابعاد قد تكون 11 وقد تصل الى 26 فهي اذن نموذج رياضي يحاول تفسير ما نعجز عن تفسيره لحد الآن. ومن ذلك أيضاً يمكن اعتبار نظرية البيغ بانغ(او الانفجار الكبير) نظرية ذات بعد ميتافيزيقي [2] نظراً لتحديدها نقطة بداية الزمن فهي تشبه بذلك نظرية الخلق التوراتية. ويمكن ان نضيف التفسيرات الفلسفية لميكانيك الكم، والتي ان صح تطبيقها تجريبياً وهو ما نستخدمه في كل ما له علاقة بالإلكترونيات ولكن بعض التفسيرات الفلسفية قد تصل احياناً الى مستوى الخيال العلمي : مثال على ذلك ما يعرف ب "قطة شرودينغر" نسبة الى العالم الفيزيائي النمساوي شرودينغر الذي حاول تطبيق مبدأ اللاحتمية او مبدأ هايزنبرغ الذي يؤكد على انه لا يمكننا ان نحدد بدقة كمية الطاقة او موقع الجسيم في نفس الوقت لان اي محاولة لمعرفة احداهما ستغير حالة الاخرى ومن ذلك يستنتج في مثال غريب ان القطة قد تكون حية و ميتة بنفس الوقت.


اليسار المثالي في السياسة
و قطة شرودينغر يبدو ان لها تطبيقات في السياسة أيضاً حيث يتبنى البعض نظريات متناقضة في صلبها احياناً و ينحو البعض الأخر لتبني نظرية "لا هذا ولا ذاك". وهي نظرية شائعة في دوائر التروتسكيين العرب و في العالم.
في تحليل سياسي صادر عن دائرة هنري باربوس (مناضل وكاتب شيوعي فرنسي صديق للينين وغوركي توفي في موسكو عام 1930) للثقافة العمالية والشعبية وهو تجمع يضم مناضلين جذريين في الحزب الشيوعي الفرنسي وخارجه [3]، دحض لهذه النظرية التروتسكية حيث يقصر التحليل التروتسكي عن الاحاطة بالواقع ويسقط في مثالية مخيفة. التحليل المعنون "العدوان الامبريالي على سوريا" يستعرض العلاقات المشبوهة بين قوى الناتو والحركات الجهادية في سوريا بالإضافة الى دحض الذرائع التي تستخدم دائماً للقيام بالعدوان العسكري في محاولة لمواجهة الوجود الروسي في سوريا.
ولكن المهم ايضاً اظهار التقارب بين فكر الاشتراكية الديموقراطية والفكر التروتسكي حيث يعتبر قدامى الحزب الاشتراكي الفرنسي (وهو اليوم شبه منحل بعد الهزيمة القاسية التي مني بها في الانتخابات الرئاسية الفرنسية و اتجاه كثير من قياداته نحو الماكرونية) ومن بين هؤلاء لوران فابيوس (رئيس حكومة ووزير خارجية سابق) وميشال روكار (رئيس حكومة سابق توفى في 2016) يعتبر هؤلاء :" ان الاشتراكية في بلد واحد لا معنى لها.... والديموقراطية الاجتماعية ستعرف عبر البحث بمساومة ثلاثية بين رأس المال والعمل، السوق والدولة، المنافسة والتضامن.... واعادة تأسيس الديموقراطية الاجتماعية سيمر حصراً عبر اوروبا.." الى غير ذلك من الافكار التي نجد منطلقات لها عند تروتسكي في رفضه فكرة الاشتراكية في بلد واحد.
ثم يأتي التحليل على نظرية "لا هذا ولا ذاك":  "لا صدام ولا بوش، لا ميلوسيفيتش ولا كلينتون، لا القذافي ولا الناتو" مع اعتبار دائم لاصحاب هذه النظرية ان صدام، ميلوسيفيتش، القذافي ، كيم جونغ اون ، بوتين، شي جين بينغ أسوأ من بوش ، كلينتون، اوباما، بلير، كاميرون، ماي ، ساركوزي ، هولاند، ماكرون، ميركل... وفي هذا استناد لا واعي الى نظرية شوفينية تجد جذورها في تحاليل صمويل هنتغتون حول صراع الحضارات. والحقيقة انو فوق هذه الثنائيات نظرية اعمق تساوي بين اميركا من جهة وروسيا والصين من جهة ثانية بصفتهما امبرياليات وهي نظرية مردودة على مطلقيها وقد تم تفنيدها في دراسات كدراسة روسيا: "الشبح الإمبريالي"...؟! لمهند دليقان [4]  ومقال خرافة الامبريالية الروسية وآمال مواجهة الامبريالية الأميركية لمحمد فرج [5].
 وينتقد التقرير ضعف مواقف الحزب الشيوعي الفرنسي في تبريره للضربات العسكرية للناتو. ثم ينتقد مواقف حزبين تروتسكيين فرنسيين الاول هو "الحزب الجديد المناهض للرأسمالية" في رؤيته المبسطة "للثورات العربية" ودعوته الى الوقوف بجانب "الثوار العرب" بالمطلق (أين هم اليوم، لم نرهم منذ زمن) و هو ما نراه أيضاً في مواقف بعض التروتسكيين العرب أيضاً والثاني هو حركة "النضال العمالي"  التي ترفض الاعتراف بطبيعة الصراع الدائر في سوريا كجزء من صراع ضد النيوكولونيالية الغربية.


خاتمة: في الصراع
وهكذا ينفي بعض اليسار المثالي الصراع ويعتبره ضاراً او عبثياً ويحاول البحث فكرياً عن وسائل لتجاوزه، فيما الحقيقة ان الانسان لا يتقدم الا عبر الصراع والثورات هي احدى اوجه الصراع. فكما يقول لوفيفر "الانسان لا يمكن ان يتطور الا عبر التناقضات، الإنساني لا يمكن ان يتشكل الا عبر اللاإنساني ، في البداية ممزوجين مع بعض، ليتميز الإنساني من ثم عبر صراع وليسيطر في النهاية عبر حل الصراع" . [1] فالإنساني لا بد انه غالب في النهاية بعد فترة من الصراع وهذا ما ادركه الشهيد باسل الأعرج وهو المثال الأوضح للمثقف العضوي - بمفهوم غرامشي - في عالمنا العربي. و نختم بقول لينين ينطبق على ما نشهده في يومنا هذا: "ان الامبريالية طورت القوى المنتجة الى حد ان البشرية لم يبق امامها الا سواء العبور للاشتراكية  او التعرض لسنوات بل لعقود لصراع مسلح تشنه القوى الكبرى للإبقاء الاصطناعي للرأسمالية عبر المستعمرات، الاحتكارات، الامتيازات والاضطهاد القومي من كل صنف" .


            
                                                                                    احسان المصري


 المصادر:

[1]
H. Lefebvre, Le marxisme, Paris : PUF, 1948.
[2]
ع. الشوك, تأملات في الفيزياء الحديثة, بيروت: دار الفارابي , 2012.
[3]
C. H. Barbusse, "Agression Imperialiste en Syrie," May 2018. [Online]. Available: http://cercles.communistes.free.fr/chb/publi.php?idArticle=2018_05_15_agressionsyrie.
[4]
م. دليقان, "روسيا: "الشبح الإمبريالي"...؟!," [Online]. Available: http://kassioun.org/reports-and-opinions/item/20138-2017-02-12-20-29-48.
[5]
م. فرج, "خرافة الامبريالية الروسية وآمال مواجهة الامبريالية الأميركية," [Online]. Available: http://www.al-nidaa.com/arab-and-wrold/item/31700-2018-09-01-11-19-24.






الأربعاء، 11 أكتوبر 2017

يحوم الطيف (مئوية ثورة أكتوبر)

يحوم الطيف،
مظلمة قاعة السينما ينيرها فيلم عن شباب كارل ماركس، عن وضعه المادي الصعب وعن عبقريته وعن رفقة العمر مع أنجلس. فيلم بعد أكثر من 170 عاما على كتابة البيان الشيوعي:
"شبحٌ ينتاب أوروبا: شبح الشيوعية. ضد هذا الشبح اتحدت في حلف مقدس قوى أوروبا القديمة كلها : البابا و القيصر، مترنيخ و غيزو، الراديكاليون الفرنسيون و البوليس الألماني."
والتاريخ سيعيد نفسه.

ويحوم الطيف،
مئة عام على الثورة البلشفية المنتصرة وكتاب لينين "ما العمل" بنسخة الكترونية اقرأه في الباص المؤدي الى العمل الروتيني الممل كأي عصامي لم ينل منه التعب ويركض وراء لقمة عيش ومستقبل باهت مكبلاً بأغلال الرأسمالية وأتعلم دروساً لا يزال يكررها التاريخ ضد الانتهازيين والتحريفيين من كل حدب وصوب.



ويحوم الطيف،
مهرجان الشبيبة العالمي في روسيا. قبله بأربع أعوام كنا في الاكوادور محاطين بيسار العالم أجمع و أميركا اللاتينية تحديداً ورافايل كوريا يخطب تحت الشتاء الغزير. هذه السنة في روسيا بعد عقدين ونيف على انهيار الاتحاد السوفياتي. لن أكون هناك ولكن الآلاف سيكونون ليحافظون على الشعلة متقدة.



ويحوم الطيف،
عينا تلك الرفيقة الضاحكتين دوما والمحاولات العاطفية القاصرة هنا وهناك والرهبة منها. طالما أنه ليس بمقدورنا توفير سعر "جينز" سيدتي ثم يقولون لك في الاتحاد السوفياتي كانوا يحلمون ب"جينز". ونحن ايضا يا سادة نحلم . كل الفقراء يحلمون بغد أفضل وأعدل.

ويحوم الطيف،
ذكريات الاجتماعات والمظاهرات والصخب الذي لا بد أن يثمر يوماً ما. وآخر الذكريات عند نصب فرج الله الحلو.
من ثم أولئك الكشافة المتحلقين حول النار في صيف صليما يشع الأمل في عيونهم يرددون "على طريق عيتات" ثم كيف غنت القاعة معنا في ذكرى الجبهة:
"نحنا شلنا جمول يمي جوا الضلوعي
ولما نادى الوطن يمي لبى الشيوعي"
صور شهداء الجبهة والحزب و كلمات لولا الأخيرة . اواه ما أجبننا أمام أعينهم

ويحوم الطيف،
حساب اليوتيوب حين يظهر المطرقة والمنجل على أغاني نيسان والطريق أو وجه مهدي ضاحكاً. حتى أغاني الميتال لذلك النروجي المجنون الذي يقول أنه شيوعي لأنه معجب بستالين وبول وبوت وهما أقل سوءا بكثير مما تصورهما البروباغندا الأميركية والغربية في كتبها وأفلامها التافهة حتى النخاع.


ويحوم الطيف،
و يتناثر رذاذ خفيف على زجاج غرفة نائية في أقصى الغرب الفرنسي وتحت النافذة مقتطفات من كتاب غرامشي "دفاتر السجن" على المنضدة. وفي مسرح قريب فرقة سورية تعزف "يا فجر لما تطل" فتصلنا أمواج الحنين لأقارب وأصدقاء منهم من رحل ومنهم من يبقى. وتصلها بموشحات وقدود وموجة تصفيق. يعتريني الفخر بلغة شوهها الأوباش. وعلي يوميا أن أحافظ عليها بوجه الكثير من العنصريين الفاشيين. وان احاربهم ولو بموسيقاي كهاو من مجموعة هواة من حضارات مختلفة ندحض صفائهم العرقي.

ويحوم الطيف،
خمسين عاماً على استشهاد تشي غيفارا يوم قال الوطن او الموت. سيعود الوطن فوق رايات الفاشية التكفيرية السوداء الآفلة حتماً و سوريا المثخنة بالجراح على أعتاب كأس العالم. لم تتأهل لكنها استحقت شرف المحاولة.



ويحوم الطيف، سيظل يحوم .....

الجمعة، 12 مايو 2017

الرّئاسيّة الفرنسيّة، محاولة مغبونة لدفن السّائد الفاشل...

انتهت الدّورة الأولى من الانتخابات الرّئاسيّة الفرنسيّة بنتائج قلبت المشهد السّياسي تزامناً مع التّغيّرات العالميّة، المشهد الّذي كان محكوماً بقسمة تاريخيّة بين "يسار" ويمين تناوباً على الحكم في الجمهوريّة الخامسة برؤساء ديغوليّين أو اشتراكيّين



إحسان المصري / حكمت غصن 
نتائج الدّورة الأولى كانت متوقّعة؛ إن كان عبر استطلاعات الرّأي، أو بتحليل الرّأي العام وعقليّة النّاخبين وتأثير نمط الحياة والثّقافة والميديا، فالمسلّمات في المجتمع الفرنسيّ كالخوف من "التّطرّف"، والميل إلى "الاعتدال"، والحرص على البقاء ضمن الاتّحاد الأوروبّيّ، كما الهجوم الإعلاميّ الشّرس على اليسار الرّاديكاليّ بهدف التّضليل والتّشويه، كانت عوامل كافية لحسم المعركة ولو بصعوبة لافتة.

بالأرقام...
في النّتائج، حصد مرشح الوسط اللّيبراليّ ماكرون أعلى نسبة (23.6%)، وتأهّل إلى الدّورة الثّانية مع مرشحة اليمين المتطرّف مارين لوبّان (21.6%). أبرز الخاسرين كان مرشح الجمهوريّين رئيس الحكومة السّابق فيّون (19.8%)، ومرشّح اليسار الرّاديكاليّ جان لوك ميلونشون (19.2%) وخلفهما بنسبة متواضعة مرشّح الحزب الاشتراكيّ بنوا هامون (6.5%). 
في معظم المدن الأساسيّة، تصدّر ماكرون يليه ميلونشون، باستثناء بعض المدن كتولوز وليل ومونبيلييه ولوهافر (المدينة العمّاليّة)، حيث تصدّر ميلونشون الّذي كان يحظى بنسبة 11% عام 2012، والّذي تمكّن أيضاً من الفوز في الأراضي الفرنسيّة "ما وراء البحار"، أمّا ما مكّن لوبّان من التّقدّم فكان الرّيف وبعض التّجمّعات الكبرى في مارسيليا مثلاً، في حين شكّلت العاصمة باريس كابوسها المؤلم.(4.99%) 
"دقّ الخطر"...
بعد صدور النّتائج الأوّليّة، مباشرةً، تداعت القوى التّقليديّة (هامون عن الحزب الاشتراكيّ، فيّون وألان جوبّيه عن اليمين، وغيرهم كثر)، لدعوة الشّعب الفرنسيّ إلى التّوحّد خلف ماكرون لردّ الخطر المصيريّ على الجمهوريّة، وسادت هستيريا في استديوهات المحطّات الفرنسيّة وكأنّها إعلان الجهاد المقدّس ضدّ "الانعزال". ولكن وفي ظلّ هذا التّكتّل، رفعت لوبّان خطاباً يعيد تموضع القوى لصالحها، لتحاول أن تجعل من نفسها "مرشّحة الشّعب" في وجه "النّخبة"، كما حاولت استعطاف ناخبي اليمين عبر اقتباس مقولات ديغوليّة، وناخبي اليسار لا سيّما الأراضي الفرنسيّة ما وراء البحار، عبر ذكرهم في خطابها، وعبر نسخ بعض بنود مشروع ميلونشون.
لكنّ الأكثر سعادة في ظلّ هذه الهستيريا هو المرشح الشّاب إيمانويل ماكرون، ذو الخطاب الغامض الّذي يصف نفسه "بالحديث"، لا يساراً ولا يميناً، وهو عديم التّجربة السّياسيّة باستثناء تولّيه وزارة الاقتصاد في عهد هولاند. وقد دعمه وسطيّون ويمينيّون وليبراليّو الحزب الاشتراكيّ، كما يعرف بالإبن المدلّل لرؤوس الأموال والمصارف.
دروس في التّحوّلات الكبرى...
إنّ نتيجة الدّورة الأولى، لم تكن سوى موقف سياسيّ شعبيّ، يعلن سحب الثّقة من القوى التّقليديّة السّائدة، فاليمين المحافظ وللمرّة الأولى لا يصل إلى الدّورة الثّانية، أمّا الاشتراكيّ الدّيمقراطيّ فيحصد أسوأ نتيجة منذ عام 1969، وما هذا إلّا دليل على فشل هذين النّموذجين اللّيبراليّين في الجوهر. والّذي يؤكّد المؤكّد، أنّ القوى غير التقليديّة هي من حصدت النّسب الأعلى، فماكرون وفي تلك اللّحظات شكّل بالنّسبة للفرنسيّين "شاب، جديد على السّاحة، يعد بمشروع حديث"، أمّا لوبّان فهي خيار غير مألوف في السّياسة الفرنسيّة، واليسار الرّاديكاليّ قدّم خطابا علميا بعد طول غياب. تجدر الإشارة أنّ الحزب الاشتراكيّ سيكون أمام أزمة عميقة بعد ما حصده هامون وهو مرشّح اليسار في الحزب، وقد تتزايد الانشقاقات في صفوفه أو يعاد تكوينه بعد دعم كثير من قياداته لماكرون علناً في خيانة فاضحة لمرشّحهم الرّسميّ. أمّا الجمهوريون فهم أيضاً أمام أزمة تتجلّى بتحميل الكثير من قياداتهم لفيّون مسؤوليّة الهزيمة بعد إصراره على التّرشّح رغم الفضائح الماليّة الّتي طاولته هو وعائلته.
وفي اليسار دروس أيضاً...
في تعليق أوّليّ له، قال بيار لوران أمين عام الحزب الشّيوعيّ الفرنسيّ بعد إعلان دعمه على مضض لماكرون فقط لقطع الطّريق على لوبّان، أنّه حذّر من المخاطرة بمرشّحين لليسار منذ عام، ولكنّ الأهم هو تعليقه على نتائج الحزب الاشتراكيّ، حيث اعتبر أنّ نموذج "المشتقّات اليساريّة اللّيبراليّة" على يد أمثال مانويل فالس وهولّاند قد سقط، وأنّه يدعو اليسار إلى بناء نموذج حديث مع حزبه وحركة ميلونشون. وقد سُمع في الفضاء السّياسيّ نعوات صريحة للحزب الاشتراكيّ وأنّه "لم يعد له لزوم" على حدّ قول أحد المحلّلين، اعتبر الرّأي العام أنّه يتحمّل مسؤوليّة وصول لوبّان وسقوط ميلونشون. أمّا الأخير، ورغم خيبة أمله الواضحة، فقد حقّق نتيجة مشرّفة تليق ببرنامجه وحملته وكان بالفعل يستطيع الوصول إلى الدّورة الثّانية لو تنازل هامون لمصلحته، أو لو لم يتكثّف الهجوم الإعلاميّ ضدّه، والتّرهيب من اليسار "المتطرّف" ووصفه بشافيز وستالين واتهامه بالجموح نحو الخروج من الاتّحاد الأوروبّيّ، وعلى الرغم من كلّ ذلك استطاع تحقيق تقدّم هائل بنتيجة تذكّر بنسب الحزب الشّيوعيّ بعد الحرب العالميّة الثّانية حيث كان آنذاك القوّة الرّئيسيّة في البلاد، وبهذا أثبت اليسار الجذريّ أنّه الوحيد القادر على التّقرّب من النّاس، رغم خسارته الطّبيعيّة غير المطلقة للمعركة، بعد أكثر من أعوام ثلاثين نمط حياة وعلاقات ليبراليّ ومسلّمات وتضليل، فمخطئ من يعتقد أنّ عاماً سيكون كافياً لقلب الموازين بشكل نهائيّ.
ماذا بعد...؟ 
ربّما استيقظ الشّعب الفرنسيّ متأّخّراً على هول الصّدمة، بعد النّتائج المخزية بوصول لوبّان إلى الدّورة الثّانية، مع الإدراك الضّمنيّ بأنّ ماكرون لا يمثّل إلّا تكرارا للسّياسات النّيوليبيراليّة الّتي أوصلت البلاد إلى الأزمة الحاليّة، فقد استطاع ماكرون انتهاز الفرصة واللّحظة لاستقطاب الرأي العام في ظلّ التّهويل من الشّعبويّة والتّطرّف "الأحمر"، وفي ظلّ تسطيح مفهوم الحداثة واقتصاره على العمر والتّجربة، كما تأليه الشّعارات كالحرّيّة والدّيمقراطيّة، دون الإدراك أنّها لا تطبّق في ظلّ الحكم الرّأسماليّ، وهذا ليس سوى نتيجة طبيعيّة للضخّ الثّقافيّ منذ أكثر من ثلاثة عقود، وبرغم كلّ هذا، يشعر الفرنسيّون أنّ شيئاً لن يتغيّر، وأنّهم مغبونون، فنيّتهم الحقيقيّة كانت دفن السّائد الّذي فشل.
من المرجّح، بعد تكتّل مختلف القوى السّياسيّة ضدّ لوبّان، أن يفوز ماكرون في الدورة الثانية رغم أنّ هذا غير مؤكّد. واللّافت موقف ميلونشون المبدئيّ بعدم التّصويت لكليهما، وتحكيم القرار لقاعدته الشّعبيّة، الّتي رفضت بالمطلق دعم لوبّان، وطالبت ماكرون بتنازلات.
في الخلاصة، إنّ الدّورة الأولى لم تكن أقلّ من إعادة تشكيل للمشهد السّياسيّ الفرنسيّ برمّته، وتغيير جذريّ فيه، ومساء السّابع من أيّار، إمّا يعود القديم بقناع "حديث"، إمّا يتأزّم النّظّام وتتفاقم تناقضاته، وفي الحالتين تلك، إنّ المعركة مستمرّة، وحزيران يحمل معه دروسا جديدة في الانتخابات التّشريعيّة، وكما يقول الرّفيق غرامشي: "عالم قديم يموت، وعالم جديد يكافح ليولد، إنّه زمن الوحوش"... 

الثلاثاء، 11 أبريل 2017

الرّئاسيّة الفرنسيّة تحتدم؛ نموذج عن الصّراع السّياسيّ في العالم



يقترب موعد الدّورة الأولى من الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة في ظلّ أجواء من الضّبابيّة وعدم الوضوح في الشّارع الفرنسيّ. خمسة مرشّحين يتنافسون للدّخول إلى قصر الإليزيه بكلّ ما يعنيه ذلك من نفوذ وقوّة وتأثير داخليّاً أم عالميّاً.
يستعرض هذا التّقرير بعض المعطيات وتحليلها بهدف استخلاص العبر في السّياسة في ظلّ التّحوّلات العالميّة الّتي بدأت ملامحها تتمظهر في مختلف الميادين.

إحسان المصري / حكمت غصن

يتنافس خمسة مرشّحين أساسيّين على رئاسة الجمهوريّة الفرنسيّة من بين 11 مرشّحاً تمّ قبولهم للمشاركة في الدّورة الأولى، وهم مارين لو بان عن الجبهة الوطنيّة (يمين متطرّف)، فرنسوا فيّون عن الجمهوريّين (يمين)، إيمّانويل ماكرون عن الوسط (بحسب زعمه)، جان لوك ميلونشون (يسار راديكاليّ) وبنوا هامون عن الحزب الاشتراكيّ. ولكلّ مرشّح مشروع أو رؤية تتناسق مع موقعه السّياسيّ.

في البرامج الانتخابيّة للمرشّحين

لو بان بخطابها الشّعبويّ تدعو إلى "إعادة قرار فرنسا إلى الفرنسيّين"، رافعةً بذلك سقف المواجهة مع الاتّحاد الأوروبّيّ وألمانيا، كذلك العنصريّة في وجه المهاجرين بمختلف جنسيّاتهم، حيث تعتبر أنّ الأزمة الاقتصاديّة والأمنيّة والثّقافيّة في فرنسا نتيجة الهجرة "المتزايدة" كما تدّعي، وأنّ وجود فرنسا في منطقة اليورو هو ليس أكثر من تكبيل لقراراتها السّياديّة، ووسيلة لاستغلال الفرنسيّين من قبل ألمانيا، وتطرح الحلول عبر إغلاق الحدود والحدّ من الهجرة والخروج من منطقة اليورو (تدافع عن فكرتها هذه باستعراض وضع بريطانيا بعد "البريكسيت")، ورفض المنتوجات المستوردة لحماية المنتوج الوطنيّ، وتبرز في مشروعها الانتخابيّ النّزعة العنصريّة في وجه الثّقافات المختلفة عبر طريقة طرحها للعلمانيّة الّتي تفرض فيها إلغاء كلّ المظاهر الدّينيّة في المساحات العامّة بالقوّة، مع التّركيز على الحجاب والبوركيني، فيما تدافع وبتناقض واضح عن مظاهر الاحتفال بعيد الميلاد في الأماكن العامّة. أمّا حول المشاريع والطّروحات الاقتصاديّة، فيتّسم خطابها بالضّبابيّة، حيث لا تقدّم مشاريع واضحة، فهي تتبنى بعض أفكار مرشّح اليسار الرّاديكاليّ ميلونشون كرفع الحدّ الأدنى للأجور، كما حاولت صحيفة "لو فيغارو" في أحد مقالاتها تشبيه الطّرحين الاقتصاديّين عبر مقارنة العناوين الّتي تذكر في خطاب كليهما. وهي بذلك تستقطب أصوات جزء من الطّبقة العاملة الّتي كانت تصوّت يساراً وباتت تصوّت يميناً نتيجة المخاوف الّتي تثيرها لو بان.
فرنسوا فيّون، حامل الطّرح اللّيبراليّ الكلاسيكيّ، يجاهر بتطبيق قانون العمل الجديد (الخمري)، وبرفع عدد ساعات العمل أسبوعيّاً من 35 ساعة إلى 39، باعتقاده أنّ هذا هو الحلّ لرفع الانتاجيّة ومواجهة تراجع النّموّ الاقتصاديّ، ويقدّم النّموذج الألمانيّ ونموّه كحجّة، متناسياً عدد الفقراء المتزايد في ألمانيا، وتكدّس الثّروات في الأقطاب البورجوازيّة وسوء توزيع الثّروة في البلدين، كما يذهب إلى طرح إلغاء الضّرائب على أرباح الشّركات والجنوح أكثر نحو القطاع الخاصّ، مبرّراً ذلك ضمنيّاً بنظريّة "الدّولة تاجر فاشل"، ويعتبر أنّ القطاع العام مزراب أساسيّ للهدر و"البلادة" حيث أنّ موظّفي القطاع العامّ غير منتجين فعليّاً. في قطاع الطّاقة الّذي يأخذ حيّز كبير في الجدل الرّئاسيّ، يدافع فيّون عن الطّاقة النّوويّة على أنّها قوّة إنتاجيّة لفرنسا لا يجب التّخلّي عنها، وأنّ التّحوّل إلى الطّاقة المتجدّدة النّظيفة أمر صعب جدّاً. لكنّ اللّافت والغريب أنّ خطاب فيّون حول العلاقات الدّوليّة، يذهب نحو التّقرّب من الرّوس والإيرانيّين، نحو مواجهة الإرهاب، وحرّيّة الشّعوب في تقرير مصيرها بما في ذلك مناقشة مسائل الحدود.
إيمّانويل ماكرون، يقدّم نفسه كـ "جديد" على السّياسة الفرنسيّة، هو دخل مضمار السّياسة منذ فترة وجيزة أساساً، يقول ويردّد أنّه سيقدّم نموذج مختلف عن العشرين سنة الماضية من تاريخ فرنسا، لكن فعليّاً، وفي خطابه، لا يبتعد كثيراً عن طروحات فيّون اللّيبراليّة، زيادة ساعات العمل، إلغاء الضّرائب عن الشّركات، والخصخصة، وهو معروف بعلاقته الوثيقة بمصرف "روتشيلد" حيث عمل كموظف قبل أن يصبح وزيراً للاقتصاد في عهد هولّاند، ويعتبر مرشّح لوبيات رأس المال والشّركات الكيميائيّة ومصانع الأدوية، وهذا ما دفع هامون في المناظرة الكبرى على قناة TF1، إلى التّساؤل عن مموّل حملته الانتخابيّة، وهنا رفض ماكرون الإجابة. في الخارجيّات، يتّجه وبوضوح تام لتوطيد العلاقات مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، تحت شعار "الحليف التّاريخيّ"، ويرفض رفضاً قاطعاً الخروج من الاتّحاد الأوروبّيّ. لكن الملفت في خطابه ومشروعه، أنّه متحوّل دائم، وأنّ انتمائه حتّى اليوم غير مصنّف بوضوح، إن كان يساريّ أو يمينيّ أو وسط، حيث يعتبره اليمين والجبهة الوطنيّة يساريّ، أمّا هو فلا يؤكّد ولا ينفي هذه الصّفة، خصوصاً أنّ جزء من الحزب الاشتراكيّ ذهب لدعمه بدلاً عن المرشّح الاشتراكيّ هامون.
بنوا هامون مرشّح الحزب الاشتراكيّ، يحمل خطاب الاشتراكيّين الدّيمقراطيّين الأميل إلى اليسار الجذريّ داخليّاً، خاصّةً أنّه من ممثلّي يسار الحزب الاشتراكيّ، ومن أبرز معالم برنامجه: الدّخل العالميّ وهو دخل أدنى يشتمل على مختلف التقديمات الصّحيّة والاجتماعية، كما رفضه لقانون العمل "الخمري" وهو أحد أسباب انشقاقه عن عهد هولّاند، بالإضافة إلى سياسته البيئيّة الّتي ترسم الصّورة الأكثر تمظهراً في رؤية المواطنين لمشروعه، وذلك بعد تلقّيه دعماً من حزب الخضر EELV. أمّا في سياسته الخارجيّة، فيشكّل استمراريّة لسياسة فرنسوا هولّاند في بقائه في دائرة الاتّحاد الأوروبّي والنّاتو والأمم المتّحدة، أي عمليّاً في مواجهته مع روسيا والصّين وإيران وسوريا، وهو يعتبر أنّ بوتين يخرق القانون والاتّفاقات الدّوليّة، ويرفض قطعاً خطاب ميلونشون حول مناقشة الحدود في شرق أوروبّا معتبراً أنّ هذه الحدود رسمت باتّفاقات دوليّة مرعيّة من قبل المجتمع الدّوليّ والأمم المتّحدة.
جان لوك ميلونشون، المرشّح اليساريّ الرّاديكاليّ، يقدّم بدوره خطاب مختلف جذريّاً، يتّجه بشكل عامّ وأساسيّ إلى إعادة توزيع الثّروة، فأحد شعاراته الرّئيسيّة: "لما نجد الفقر في دولة بهذا الغنى؟"، يتناسق برنامجه في كافّة المجالات، وهذا ما وصفته به صحيفة "لو موند" بعد المناظرة الكبرى، فيعد الجميع بتثبيت عدد ساعات العمل الأسبوعيّة الـ 35، بالقانون، على جميع القطاعات حتّى الخاصّة منها، بل وحتّى العمل لتخفيضها، ويعتبر كما قال في مدينة "رين" عاصمة مقاطعة بريتاني، أنّ "ساعات أقلّ من العمل هو توزيع للعمل" ويتعهّد بإسقاط قانون العمل "الخمري"، يريد إقرار ضرائب على رؤوس الأموال، ويشنّ هجوم واسع على التّهرّب الضّريبيّ حتّى أنّه يذهب أبعد نحو الانسحاب من أيّ اتّفاق أوروبّيّ يسهّل هذا التّهرّب. يقدّم أيضاً في مشروعه رفع للحدّ الأدنى للأجور، وتغطية صحّيّة شاملة. وفي قطاع الطّاقة، يذهب في نظريّة الاكتفاء الذّاتيّ عبر مشروع "100% طاقة متجدّدة نظيفة عام 2050"، وبذلك يعتبر أنّه سينهي الحروب الفرنسيّة من أجل النّفط، وتهديد سيادة الشّعوب المنتجة لليورانيوم، ويعتبر أنّه بدلاً من استثمار مئة مليار يورو في تجديد المفاعلات النّوويّة القديمة، سيستثمر بخمسين مليار لمشروعه، ويؤمّن به فرص العمل، وسيشجّع لذلك قطاع التّعليم المهنيّ عبر مساعدة طلّاب هذا القطاع بمبلغ 800 يورو شهريّاً. أمّا حول العلاقات الخارجيّة، يشدّد أنّه سيعامل المهاجرين "كما يريد أن يعامَل الشّعب الفرنسيّ لديهم لو كان في نفس الحالة"، مع اعتبار أنّهم مجبرين على الهجرة الّتي هي منفى لهم، وذلك بسبب سياسات دول الغرب، ويركّز بذلك على اليونانيّين والإيطاليّين والإسبان والبرتغاليّين. كذلك، يرفع شعار دعم السّلام والدّيبلوماسيّة ضدّ الحروب، ويعتبر أنّه على فرنسا دعم هذا الاتّجاه من الأطلسيّ إلى الأورال، مشيراً إلى أزمة أوكرانيا، واللّافت أنّه هاجم النّاتو مراراً، واعتبر أنّ هذا الحلف هو توريط أوتوماتيكيّ من قبل الولايات المتّحدة لفرنسا والعالم في حروب وحماقات لم تكن من شأن الشّعب الفرنسيّ ومصالحه، والجدير بالذّكر أنّه اعتبر هجوم الأميركيّين على مطار الشّعيرات في سوريا عمل غير مسؤول وكاد يؤدّي إلى كارثة، مع رفضه المطلق لاستخدام السّلاح الكيميائيّ مهما كان مصدره، وسيسعى جاهداً لتحقيق معاهدة التّخلّص من هذه الأسلحة الّتي لم تمض عليها "إسرائيل". بالنّسبة لموقفه من الإرهاب، يعتبر أنّ الإرهاب هو أداة لنهب ثروات الشّعوب، ومحاربته تبدأ مع إنهاء العقليّة الاستعماريّة. وأحد مواقف اللّافتة دعمه لحقّ الشّعب الفلسطينيّ بدولة تنعم بالسّلام.

استطلاعات الرّأي وتقلّباتها

بناءً على كلّ هذه البرامج المختلفة يتبارز المرشّحون الرّئيسيّون حيث انطلقت حملاتهم الانتخابيّة عبر إقامة كلّ منهم اجتماعات ولقاءات في مختلف المناطق والمدن الفرنسيّة. قبل موعد الدّورة الأولى في 23 نيسان. على إثر هذه الدّورة سيتأهل المرشّحان اللّذان يحرزان العدد الأكبر من الأصوات إلى الدّورة الثّانية الّتي ستقام في 7 أيّار.
الغموض يلفّ الدّورة الأولى خاصّة بعد المفاجآت العديدة الّتي حصلت سواء في انتخابات اليمين التّمهيديّة مع إقصاء مرشحين قويّين هما الرّئيس السّابق نيكولا ساركوزي ورئيس الحكومة السّابق آلان جوبّيه أو انتخابات الاشتراكيّين التّمهيديّة مع إقصاء رئيس الحكومة السّابق مانويل فالس. في هاتين التّجربتين تقدّم مرشّحين كانوا في المراكز الثّالثة أو الرّابعة في استطلاعات الرّأي إلى الفوز وهما فرنسوا فيّون وبنوا هامون، وهذا ما يثير الشّكوك حول صحّة استطلاعات الرّأي ومدى ارتهانها لقوى وسياسات محدّدة وتلاعبها بالرّاي العامّ.
وبرغم هذا الغموض فإنّ آخر استطلاعات الرّأي تعطي تقريباً نسباً متقاربة لمارين لو بان وإيمّانويل ماكرون حوالي 23.5% فيما يحلّ فرنسوا فيّون وجان لوك ميلونشون خلفهما بنسبة 19% لكلّ منهما ويتراجع مرشّح الحزب الاشتراكيّ بنوا هامون بنسبة 9% فيما يقتسم المرشّحين الباقين بنسب تتراوح بين 1% لمرشحي الأحزاب التّروتسكيّة حتى 5% لمرشّح اليمين السّياديّ نيكولا ديبون-أنيون.
إذاً يلاحظ في ظلّ التّغيّرات اليوميّة وبعد المناظرة الّتي جمعت المرشحين الخمسة الأساسيّين ومن ثم المناظرة الثّانية الّتي جمعت المرشّحين الـ 11، تقدّم لافت لمرشّح اليسار الجذريّ ميلونشون من نسبة 11% - 12% إلى 19%، وذلك بعد ظهوره القويّ والمتماسك في المناظرات وبعد إقامته مسيرة حاشدة في باريس للمطالبة "بالجمهوريّة السّادسة" وهي أحد عناوين برنامجه، وهو استطاع أن يجيّر جزء من ناخبي الحزب الاشتراكيّ تقليديّاً نتيجة لتقارب برنامجه مع برنامج هامون في عناوين كثيرة وخاصة بعد الانشقاقات البارزة في معسكر هامون، إذ أعلنت وجوه بارزة في الحزب الاشتراكيّ كرئيس الحكومة السّابق فالس ووزير الدّفاع جان إيف لودريان دعمهما لماكرون وهو ما عدّه هامون خيانة له وطعنة في الظّهر. على إثر هذه الانشقاقات تراجع هامون كثيراً ليحلّ في المركز الخامس. فيما يستفيد ماكرون بخطابه الوسطيّ الضّبابيّ من التفاف شخصيّات من اليسار واليمين حوله ليتصدر الاستطلاعات (مع العلم أنّه يحظى بدعم الشّركات والمصارف الكبيرة).
وقد طالبت شخصيّات يساريّة كثيرة، شيوعيّة تحديداً، بأن يتمّ الاتّفاق بين ميلونشون وهامون خاصّةً أنّ برامجهما متقاربة (باستثناء السّياسات الخارجيّة)، فضلاً عن أن خوضهما الانتخابات منفصلين قد يشكّل خسارة لكليهما ولليسار عامّةً. ولم تثمر الجهود حتّى الآن نتيجة تمسّك هامون والاشتراكيّين بترشّحهما، خصوصاً أنّ المهلة القانونيّة للانسحاب قد انتهت وإذا لم يحقّق هامون أكثر من 5% من الأصوات لن يستعيد أموال الحملة الانتخابيّة وهنا يعتبر الكثيرون أنّ ذلك سيكون كارثة ماليّة على الحزب الاشتراكيّ، كما أنّ ميلونشون يرفض الحكم مع من ينادي بإسقاطهم. وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أنّ الحزب الشّيوعيّ الفرنسيّ أعلن دعمه لميلونشون، وقد قال أمينه العامّ بيار لوران في أحد مقابلاته المتلفزة، أنّ توحّد اليسار ضروريّ في وجه صعود الخطر اليمينيّ المتطرّف والّذي سيعدّ كارثة حقيقيّة على اليسار.
أمّا فيّون فبرغم الفضائح العديدة الّتي أثارها من توظيفه الموهوم لزوجته وأولاده والمعاشات الخياليّة الّتي تقاضوها بدلاً لأعمال وهميّة وصولاً إلى فضيحة تلقّيه ثياب من صديق له بأسعار خياليّة مجّاناً، فلا يزال يستقرّ عند نسب عالية يستحوذ عليها من ناخبي اليمين الكاثوليكيّ التّقليديّ.
لو بان من جهتها تراجعت بنسبة قليلة أيضاً نتيجة فضائحها برفضها إعادة أموال مطلوبة منها من الاتّحاد الأوروبّيّ نتيجة معاشات وهميّة كان يتقاضاها مستشاروها أيضاَ.
إذاً في حمأة المعركة الانتخابيّة والمناظرات واللّقاءات، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ نموذج المعركة الانتخابيّة في فرنسا، ليس أقلّ من الجدل القائم بين التّيّارات السّياسيّة في العالم، فأزمة الرّأسماليّة تتجسّد في تكرار اليمين واللّيبراليّين لأنفسهم ولسياساتهم المأزومة، وصعود الفاشيّة ليس سوى نتيجة لهذه الأزمة، أمّا اليسار فهو الأكثر تماسكاً ووضوحاً، لكن تكمن مشكلته العظمى في انتشار ثقافة اللّيبراليّة والتّسطيح الّتي أُغرق بها العالم منذ انهيار جدار برلين، فخطاب ميلونشون، ورغم كلّ تمسكه وواقعيّته، يبقى صعباً على الهضم، وغريباً عن المألوف، فيخيف جزء من الرّأي العامّ، خصوصاً مع انتشار عبارة "اليسار المتطرّف"، والميل الدّائم إلى الوسطيّة، وهذا ما يعطي ماكرون دافع إضافيّ للوصول، رغم أنّ بعض المواطنين لا يثقون به نتيجة تغييره الدّائم لمواقفه وغموضه واقتباسه من برامج المرشّحين الآخرين. لذلك، لا تزال التّوقّعات غامضة، خاصّة في ظلّ تردّد الكثير من النّاخبين، هذا التّردّد الّذي يعود إلى فقدان المواطنين ثقتهم بالسّياسيّين بعد عقود على حكم اللّيبراليّة، والّذي سمّاه ميلونشون في رين "بالغضب السّياسيّ". فهل يحافظ ماكرون ولو بان على صدارتهما لنشهد معركة بين يمين متطرّف على النّمط التّرامبيّ ووسط ليبراليّ يشكل استمراريّة لسياسات أوروبيّة سابقة؟ أم يقلب ميلونشون الطّاولة رأساً على عقب ويخترق إلى الدّورة الثّانية؟ سؤال برسم الدّورة الأولى في 23 من نيسان.