الأربعاء، 2 يناير، 2013

ما تبقى لنا

‎"في يدينا بقية من بلاد                 فاستريحوا كي لا تطير البقية"
هذه كانت دعوة الشاعر الفلسطيني الكبير ابراهيم طوقان للزعماء والملوك العرب وذلك قبل ان تحدث نكبة فلسطين بزمن. ولكن الملوك عادة قليل ما يستانسوا برأي الشعراء ان لم يكن مديحاً لهم. لذلك مرت هذه الدعوة عابرة واستمر الملوك والزعماء الذين اتوا من بعدهم، تقدميين ورجعيين، استمروا في نفس النهج الى ان وصلنا الى ما نحن عليه الآن. 
الى ان وصلنا الى بقية من بلاد تطير تدريجاً. ما تبقى لنا اليوم هو بقية البقية. 
و "ما تبقى لكم" هي رواية للشهيد غسان كنفاني وهي رواية تسرد معاناة اسرة فلسطينية واكتشافها الوعي الضروري بالقضية الفلسطينية في رواية كما روايات كنفاني ينسجم فيها الجانب الفردي بالجانب الوطني-القومي. 

ما تبقى لنا اليوم في فلسطين مجموعة قرى على جزء من 22% من فلسطين التاريخية مسيجة بمستوطنات وجدار عنصري فاصل وهذه المجموعة اصبحت دولة معترف فيها في الامم المتحدة مؤخراً ولكن من دون عضوية كاملة كالفاتيكان. اما مجموعة القرى الاخرى في جنوب فلسطين ففيها دولة اخرى تحت حكم الاخوان المسلمين حالياً وعرضة لعدوان اسرائيلي في اي لحظة كالذي حصل منذ شهرين. 
ما تبقى لنا في سوريا بعد 40 سنة من حكم البعث هو دولة مدمرة، حرب طائفية، قاعدة وسلفيين وشبيحة، قلاع تاريخية مهدمة، 200 الف قتيل،لاجئون سوريون في بلدان مجاورة انضم اليهم مؤخراً لاجئين من مخيم اليرموك الفلسطيني بعد ان انتفض على حكم احمد جبريل وقيادته العامة البعثية فدكه جيش الممانعة بالقصف وهجر اهله دفاعاً عن قضية فلسطين، مأساة تعيد التذكير بالنكبة وهجرة فلسطينية اخرى بعد هجرات تل الزعتر وبرج البراجنة والبارد وغيرها. 
ما تبقى لنا في مصر بعد كامب دايفيد والسادات ومبارك دولة تحت حكم الاخوان المسلمين الذين اتوا بصناديق الاقتراع ليقوضوا الدستور والديموقراطية. 
ما تبقى لنا بعد 30 سنة من حكم صدام في العراق دولة تحت حكم الاحتلال الاميركي يتخللها دويلة للاكراد بعد ان عانوا الامرين تحت حكم صدام فاصبحوا في فيديرالية هي اليوم على وشك حرب مع الدولة المركزية في بغداد نتيجة الخلاف على تقاسم البترول، والدولة المركزية في بغداد هي بقيادة شيعية تحت تاثير ايراني وتعرض الجماعات السنية لنفس الحكم الذي تعرضت له سابقاً على ايديهم.
ما تبقى لنا في ليبيا بعد 40 سنة من حكم الاخ القائد لادولة ولا لجان شعبية بل عصابات مسلحة وقبائل وناتو وبترول موزع على الدول الكبرى. 
ما تبقى لنا في تونس ايضاً بعد حكم زين العابدين بن علي دولة ايضاً تحت حكم الاخوان المسلمين يتخللها جماعات سلفية تحاول القضاء على منجزات العلمانيين في تونس وثقافتهم.
وما تبقى لنا في اليمن بعد حكم علي عبدالله صالح دولة قبائل يحكمها حزب صالح نفسه يتخللها خلاف ديني مع الحوثيين في شمالها وخلاف مع الانفصاليين الجنوبيين في جنوبها. 
وما تبقى لنا في السودان دولتين بدل الدولة الواحدة، دولتين في حرب مع بعضهما البعض وفي حرب داخلية كل واحدة منهما. 
وما تبقى لنا في الخليج هي ممالك وهابية تقمع شيعييها ومعارضيها وتتخم بالبترودولار لتصرفه على ناطحات السحاب وعاهرات الغرب. 
وما تبقى لنا في لبنان تحاصص طبقي-طائفي يتبدل المواقع السلطوية ويتقاسم راس المال في البلد ويتبع لخارج من هنا او من هناك.

في ظل كل هذا الخراب يتخيل المرء انه لم يبق لنا شيء. ولكن لحسن الحظ يبقى بعض بصائص الامل.
يتبقى لنا صواريخ كتائب الشهيد ابو علي مصطفى ويتبقى لنا عناد مناضلي الاتحاد التونسي للشغل وتتبقى لنا اعتصامات الاشتراكيين الثوريين في مصر ويتبقى لنا نكات كفرنبل على البعث ومعارضته ويتبق لنا صورة جورج ابراهيم عبدالله على طرقات لبنان. 
تبقى لنا هذه الذكريات للسنة القادمة التي نتمناها ان تزيد ما تبقى لنا. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق