السبت، 11 أكتوبر، 2008

أبو إيلي

في البال أغنية وكأس عند «أبو إيلي»
سارة أسعد
نقلاً عن الاخبار
في البال أغنية لا تحلو سوى عند «أبو إيلي». في زاوية مخفية في كاراكاس يجتمع أصدقاء، رفاق، أو عشّاق من كلّ الأعمار، سحرتهم موسيقى الحانة وجوّها. تُفتح البوّابة على رسم «حنظلة»، وحيداً، يبحث عن البرتقال الحزين. الغرفة صغيرة، مثل الّتي ودّع فيها «سميح شقير» صديقه، والحيطان مثقلة بصور شهداء وأصدقاء وأبطال وشعراء. أرنستو غيفارا في المقدّمة وبأكثر من حجم وشكل، ما زال يعد بالموت والمرض وبفقدان الرّفاق، ينظر بحنان إلى جمال عبد الناصر والشيخ إمام، ويتأمّل فيروز متألّقة في صورة قديمة جدّاً مع ضفيرتين. أبطال محلّيون وعالميون يتشاركون المكان مع السّاهرين: كمال جنبلاط يسامر مهدي عامل، ونيلسون مانديلّا يتبسّم بهدوئه المعهود. وها هو أبو إيلي أيضاً في صور كثيرة مع أصدقائه: سامي حواط، وخالد الهبر وزياد الرّحباني.للشهداء قصة أيضاً، صورهم بالأبيض والأسود، أضيف إليها وجه جورج حاوي، ثم بسمة سمير قصير وضحكة ليال نجيب، وهناك الصورة الّتي اختصرت حرب تمّوز: «طفل زغير عم يلعب بالحارة» صار أشلاءً يحملها مسعف لا تحمله دموعه. شهيد تلو الشّهيد، يُزرعون بمهابة على الحائط ويُشرب كأسهم في كلّ حين.يرتفع جوزف سماحة قرب رسم لبيروت القديمة، ابتسامته تسكن شوارع المدينة. ولفلسطين الحبيبة صور كثيرة أيضاً، دبّابة، محمود درويش، وطفل تعرفه كلّ أغاني المطر. وعلى الحائط نفسه، ما زال بابلو نيرودا ينشد قصائده الأكثر حزناً من كلّ النّكبات.من يقصد «أبو ايلي»، أو الخمّارة كما يحبّ أن يدعوها إيلي، الابن البكر الموجود دائماً، هم أصدقاء قدماء أو أبناؤهم الّذين سمعوا عن المكان فطابقوا الخبرية بالواقع. إنّها الحانة الحقيقيّة، مع المنضدة الخشبيّة والسّاقي والحلم المثلّج.أسعاره متوسّطة ومشروباته عاديّة، فقاصده لن يأبه لأكثر من البيرة المثلّجة أو الفودكا أو الويسكي. قنينة البيرة عند «أبو أيلي» مميّزة، تخرج من الثلّاجة كالعروس، متلألئة بحبيبات عرق بارد يرقص على محيط دلعها. ما نراه من مقرمشات وتوابعها مميزة أيضاً هناك: ترمس مملّح بصحن منزلي، بعض الفستق والبزورات وفاكهة الموسم. في الصيف تفّاح وعنب أسود «من عنّا من الضّيعة» وشتاءً موز وبرتقال. أمّا للمميّزين، فالحامض المقطّع شرحات مع «الرّشة السّحرية» من ملح وكمّون أصلي، ومهما حاولنا تقليدها، لن تشبه يوماً رشّة «أبو إيلي».من الوصايا العشر المطبوعة على المدخل وصيّة تمنع أيّاً كان من التدخّل في الموسيقى. تبدأ السّهرة بأغاني فيروز ومارسيل خليفة وزياد الرّحباني وخالد الهبر، أمّا بوجود إيلي فلوديع الصافي والشيخ إمام الحصّة الأكبر من البرنامج.أبو إيلي موجود دائماً للحديث، والتّململ من أوجاع المفاصل والسّؤال عن صحّة الأهل وطبعاً لاستعادة الذكريات وأخبار الحكايا.التّاريخ مختصر هنا، قصص الثورات من الشّرق إلى الغرب، كلّها هنا، على الحائط، مزدحمة ومتداخلة وصامتة، فـ«الّي عم يحكوا اليوم هو غير الّي ماتوا».أبو إيلي يقدّم مع الكأس فاكهة وحبّاً. يختبئ بمنأى عن الزّمن، وكأن الحرب والأحداث لم تزره سوى صور، ولم يبقَ من الوقت إلّا كما بقي في الكأس: رشفات نختار ما يلائمنا منها لنجمّل الذكريات.
عدد السبت ١١ تشرين أول ٢٠٠٨